الشيخ محمد رشيد رضا
285
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
التربية والتعليم من بضعة قرون . نعم ان الضعف الذي كان يصيب الأمم المنغمسة في الحضارة قد عالجه المتأخرون بما أوتوا من العلم بخواص الأشياء كالبارود والديناميت والبخار والكهرباء وبعمل الآلات الحربية التي تدك المعاقل وتدمر الحصون وتقتل في الدقيقة الواحدة ألوفا من الناس ، وبالنظام العسكري الجديد فصار الغلب لأمم العلم والحضارة ، على أهل البدو الذين لا علم لهم ولا صناعة . ثم إنهم طفقوا يعالجون ما تحدثه الحضارة من الضعف في الأجسام والإرادات والعزائم بالتربية الاستقلالية والرياضات البدنية ولذلك استولوا على من حرموا هذه المزايا من أهل البدو والحضر ، وكادوا يسخرون لخدمتهم سائر البشر ، وما ذلك الا لأنهم صاروا باستقلال الفكر والإرادة أقرب إلى التوحيد وابعد عن الاستعباد للمخلوقات من الاحياء والأموات ، فليعتبر بذلك الذين يفخرون بالتوحيد وهم يستغيثون أهل القبور لدفع الأذى عنهم وجلب الخير لهم ، ويدعون من دون اللّه ما لا يضرهم ولا ينفعهم ، وما أمروا الا ليعبدوا إلها واحدا ، وهو لم يجعل الرسول المبلغ عنه حفيظا عليهم ولا مسيطرا ولا وكيلا ولا جبارا ، وإنما أرسله معلما هاديا ، كما تقدم آنفا ، بل جعل الوازع الديني من النفس لا من الخارج فما أرقى هذا الدين وما اسمى هديه ، وما أضل من التمسه من غير كتابه الحكيم ، وسنة نبيه عليه الصلاة والتسليم * * * وَيَقُولُونَ طاعَةٌ أي يقول المسلمون كافة أو أولئك الذين ذكروا في الآيات الأخيرة ، قال ابن جرير يعني الفريق الذين أخبر اللّه عنهم أنهم لما كتب عليهم القتال خشوا الناس كخشية اللّه أو أشد خشية يقولون للنبي ( ص ) إذا أمرهم بأمر : أمرك طاعة ، لك منا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه اه وقال غيره التقدير « أمرنا طاعة » أي شأننا معك الطاعة لك ، والأقرب ما قاله ابن جرير ، ومعنى امرك طاعة أنه مطاع فجعل المصدر في مكان اسم المفعول للمبالغة ، فهو يدل بايجازه على أنهم كانوا في حضرة الرسول يدعون كمال الطاعة ويظهرون منتهى الانقياد فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ أي فإذا خرجوا من عندك ، وكلمة برز من مادة البزاز بفتح الباء وهو الفضاء من الأرض أي خرجوا من المكان يكونون معك فيه إلى البراز